سيد محمد طنطاوي

239

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أقانيم : أب ، وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة . وعنوا بالأب الذات . وبالابن الكلمة . وبالروح الحياة . وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام اللَّه اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر أو اللبن فزعموا أن الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد . ثم قال الإمام الرازي : واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل . فإن الثلاثة لا تكون واحدا ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى » « 1 » : وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين قالوا من النصارى إن اللَّه ثالث ثلاثة هم النسطورية والمرقوسية « 2 » . ومعنى ثالث ثلاثة : واحد من ثلاثة . أي : أحد هذه الأعداد مطلقا وليس الوصف بالثالث فقد ذكر النحاة أن اسم الفاعل المصوغ من لفظ اثنين وعشرة وما بينهما لك أن تستعمله على وجوه منها : أن تستعمله مع أصله الذي صيغ هو منه ، ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير . فتقول : رابع أربعة أي : واحد من أربعة وليس زائدا عليها ، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله . وقوله : * ( وما مِنْ إِله إِلَّا إِله واحِدٌ ) * بيان للاعتقاد الحق بعد ذكر الاعتقاد الباطل . وقد جاءت هذه الجملة بأقوى أساليب القصر وهو اشتمالها على « ما » و « إلا » . مع تأكيد النفي بمن المفيدة لاستغراق النفي . والمعنى : لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا إن اللَّه واحد من آلهة ثلاثة ، والحق أنه ليس في هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو اللَّه رب العالمين ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ورباهم بنعمته . وإليه وحده مرجعهم وإيابهم . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الضالين الذين قالوا ما قالوا من ضلال وكذب فقال - تعالى - : * ( وإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * . وهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله : * ( لَقَدْ كَفَرَ ) * والمراد بانتهائهم : رجوعهم عما هم عليه من ضلال وكفر . والمراد بقوله : - * ( عَمَّا يَقُولُونَ ) * : أي عما يعتقدون وينطقون به من زور وبهتان .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 س 60 ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 513